الشيخ محمد رشيد رضا

179

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

انكار تعلق المشيئة الإلهية بما هو قبيح كالشرك والمعاصي وفي نفي عقيدة الجبر عند المعتزلة واثبات الأشعرية لهما . وقد جمعنا فيما جرينا عليه آنفا بين رد الشبهتين لان المفتونين بهما إلى اليوم كثيرون ينتمون إلى مذاهب ما لهم بها من علم وقد رأينا أن نلخص أقوال المفسرين من السلف والخلف في الآيات ليعرف منه ضعف المذاهب النظرية المتعارضة لأهل الكلام . قال الزمخشري في تفسير « كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » بعد أن قال إن احتجاجهم كمذهب المجبرة بعينه ما نصه : أي جاؤوا بالتكذيب المطلق لان اللّه عز وجل ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وارادتها والرسل أخبروا بذلك . فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة اللّه وارادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب اللّه وكتبه ورسله ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره اه وقد رد عليه خصومهم الأشعرية بان الرسل لم تنف بل أثبتت وقوع كل شيء بمشيئة اللّه وتقديره وان كان قبيحا ممن فعله لما يترتب عليه من عقابه عليه لاتيانه إياه باختياره كالكفر والمعصية ، وان المشيئة والإرادة منه تعالى ليست بمعنى الرضا ولا تستلزمه ، ور جمهورهم ان مراد المشركين بشبهتهم ان اللّه تعالى راض عن شركهم وتحريمهم لما حرموا بدليل مشيئته له منهم دون غيره لا انه أجبرهم عليه . وقد احتج السلف بالآية على منكري القدر قبل حدوث مذهبي المعتزلة والأشعرية فقد روى أكثر مدوني التفسير المأثور وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس انه قيل له ان أناسا يقولون إن الشر ليس بقدر ، فقال ابن عباس بيننا وبين أهل القدر هذه الآية ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا - إلى قوله - فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية أي الأخيرة وقال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى في رد الآية على شبهتهم : أي بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء ، وهي حجة داحضة باطلة لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم اللّه بأسه ودمر عليهم ، وأدال عليهم رسله الكرام ، وأذاق المشركين من أليم الانتقام اه وقد جزم ابن جرير أيضا بان اللّه تعالى كذب المشركين هنا بزعمهم أن اللّه رضي منهم عبادة الأوثان ، وتحريم ما حرموا من الحرث والانعام ، لا بقولهم ( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا ) الخ فإنه قول صحيح أي ولكنه حق